إن الإصلاح الجامعي بالمغرب أثار عدة تساؤلات مرتبطة بالميثاق الوطني للتربية والتعليم، والذي يعتبره الجميع، ليس مجرد الإقرار بجملة من القضايا والإجراءات التقنية والمسطرية والمنهجية، وإنما هو في واقع الأمر مشروع مجتمعي تنموي، ولذلك فإنه لا يمكن بأي وجه من الوجه إملاؤه من فوق.

لقد ظل تعليمنا تعليم هجين. رغم أن الجميع بالمغرب ظل يطرح ، ومنذ مدة طويلة ، بأن التعليم المغربي في حاجة ماسة إلى إصلاح عميق جدا وجذري إن على مستوى البنيات والمضامين والآفاق. وظل هذا المطلب حاضر بقوة على امتداد أجيال منذ حصول البلاد على استقلالها. وخلال هذا المسار كان دائما يتأكد أنه لا يمكن إصلاح التعليم دون إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ورغم ذلك ، ورغم أن هذا التأكيد أضحى من المسلمات إلا أنه لم يؤخذ بعين الاعتبار من طرف مبلوري الإصلاح الجامعي المقرر حاليا بالمغرب.
وعموما يبدو أن الإصلاح الجامعي لم يكن طبيعيا منسجما مع الصيرورة التي يعرفها نمط تطور وفعليا،المغربي وبنياته. وذلك اعتبارا أنه لم يكن نتاجا لنقاشات ومجالات بين كل الفاعلين الذين يهمهم الأمر فعلا وفعليا، أو نتاجا لحوار ونقاش داخل الحقل التعليمي. إنه في واقع الأمر كان نتاجا لإكراهات يمكن فهم الإقرار بالمذكرة الثلاثية (العدل ـ الداخلية ـ التعليم العالي) وما راقها من تصفيات واعتقالات في صفوف الطلبة ومحاولة خنق الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والحد من دوره داخل الجامعة المغربية وبين الطلبة.
كما يبدو أن الخاصية الأساسية للإصلاح الجامعي تتمحور حول نفي ـ جملة وتفصيلا ـ كل التجارب السابقة في ميدان التربية ولتكوين وخلق قطيعة معها. فهل هذا اعتراف ضمني محتشم بان التجارب السابقة كانت كلها سلبية وغير مجدية ولم يكن وراءها أي طائل؟
ومهما يكن من مر، فإن الهدف من أي إصلاح جامعي، من المفروض أن يكون هو الجودة في التكوين واكتساب المهارات، لكن هل الإصلاح الجامعي كما هو مبلور حاليا في إمكانه تحقيق هذا الهدف؟
يعتقد البعض أن الإصلاح الجامعي الحالي بالمغرب يكرس نهجا واحدا لا غبار عليه، وهو الالغضب.امي إلى إعادة إنتاج النخبة الحاكمة.
كما يرى البعض الأخر أن الميثاق الوطني للتعليم والتربية جاء بالأساس لمحاولة امتصاص الغضب. علما أن الدولة المغربية دأبت على نهج خاص مفاده أنه كلما كانت هناك أزمة ترفع شعارا، وكلما عجزت عن تجسيد شعارها على أرض الواقع ترفع شعارا آخر أكبر منه وتظل دار لقمان على حالها.
لكن ما هي خلفيات الإصلاح الجامعي؟
من خلفياته ما جاء به تقرير البنك الدولي سنة 1995 والذي أبرز أن المغرب يحتاج لجملة من الإصلاحات كان لابد من تمريرها بأي شكل من الأشكال وذلك كما تم تمرير في بداية سبعينات القرن الماضي جملة من القوانين ، ومن ضمنها قانون التجارة ومدونة الشغل، وكلها قيل أنه تسير في اتجاه خلق مناخ اقتصادي وسياسي للاستعداد لسنة 2010.
إن واضعي هذا الإصلاح الجامعي انطلقوا، ليس من مرجعية مغربية، وإنما انطلقوا بالأساس مما يراه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذان يريان أن العالم منقسم إلى دول تصنع وتنتج ودول تستهلك وتتاجر فقط. إنهما يعتقدون أن العالم في حاجة إلى عامل متمدرس وليس أمي، كما أنه بحاجة إلى مستهلك متلهف إلى الاستهلاك ويكثر منه.
لقد سبق أن ساهمت لجنة مكونة من 333 عضوا في الشروع في بلورة منظور لإصلاح التعليم بالمغرب إلا أنه تم إجهاض عملها لكونها تجرأت وطرحت إشكالية التعليم في إطارها الحقيقي والعام، وهو ضرورة ربطها بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي . 
وبعد سنتين، أي في سنة 1999، من إجهاض عملها جاءت اللجنة الملكية الخاصة بالتربية والتكوين التي ضمت 33 عضوا ، منسقها مهندس لم يسبق له أن مارس التدريس ولا علاقة له بمجال التربية والتكوين. وأهم ما جاءت به هذه اللجنة فلسلفة تقنوقراطية للتعامل مع إشكالية التعليم بالمغرب، وهي الفلسفة التي أقرت بضرب مجانية التعليم الثانوي والعالي. وكان من الطبيعي جدا أن تخلص إلى ذلك ما دام هاجسها كان هو الإجابة عن حاجيات الرأسمال العالمي واحترام توصياته وتوجيهاته المفروضة من طرف احتياجات المستثمر الأجنبي رغم تناقضها بالتمام والكمال مع حاجيات أوسع فئات الشعب المغربي.


Daoud Sayid
 
Top