photo-bahedda
لم يتطرق عاهل البلاد إلى موضوع فساد الادارة في افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان الجمعة 14 أكتوبر الجاري، إلا لكون الإدارة مفتاح للتنمية والتطور، وإذا أردت قياس تقدم أمَّة ما فانظر إلى إداراتها.

لعل زوايا النظر للموضوع تتعدد، لكنها تُجمع على أن الادارة معطوبة. وذلك تحصيل حاصل، لأنني أتساءل كيف يمكن لمنظومة مجتمعية لاتنتج إلا الفساد والانحراف أن تكون قادرة على إنتاج إدارة نزيهة ومتقدمة؟ أينما تولي لا ترى إلا كل أشكال الانحطاط (أخلاقي وقيمي وديني)، وحتى نموذج إدارة القطاع الخاص في هذا البلد تمثل صورة راقية من الفساد المتمثل في استغلال البشر وهضم حقوقهم وتهديدهم في كسرة الخبز، هذه الوحوش الرأسمالية لا ترضى أن يراقبها أحد أو يلزمها بتطبيق مقتضيات قانون الشغل، وفي كل مرة تهدد بنقل استثماراتها إلى بلد آخر يرضى الذل والاستعباد، ومن المضحك أن تطلع علينا في وصلات الاشهار بأنها مقاولة مواطنة.
عودة للموضوع الرئيسي، أعتقد أن أعطاب الادارة تعود لأسباب ذاتية وموضوعية:
الأسباب الذاتية: رغم الانتقال من نمط تدبير شؤون الموظفين إلى تدبير الموارد البشرية وما تبع ذلك من تثمين لهذه الموارد على المستوى النظري، مازال ينظر لها فقط على أساس أنها كتلة أجرية، أي أعباء تلتهم ميزانية الدولة ولا يتم التعامل معها على أساس أنها ثروة بشرية كما هو الحال بالنسبة للنموذج الياباني أو الكندي، وفي ذلك إحالة على مكمنين للخلل: إما هذه الموارد منتهية الصلاحية ولا تستحق التقدير أو أن نظام الاشتغال (système de fonctionnement) هو الذي تعطل ويستوجب التدخل لإصلاحه.
هذه الموارد البشرية تحتاج للتأهيل والمواكبة، بدء من التوظيف الذي يجب أن ينأى عن الضغوطات الاجتماعية ويراعي الحاجيات الحقيقية من الأطر والكفاءات، كما وجب التجرد على مستوى التعيين في مناصب المسؤولية والقطع مع منطق المزاج (عجبني ماعجبنيش) أوالقرابة أو الولاءات الحزبية والعائلية.
من بين عاهات الادارة الذاتية غياب الانصاف سواء داخل الادارة ذاتها أوبين الادارات، فالإدارة بشكل عام تدفع أجرة الموظف على أساس الإطار الذي ينتمي وليس على أساس مردوديته، فكم من موظف بسيط يعمل بوتيرة أسرع وأكبر من رئيس الادارة ذاتها، ومع ذلك لا يجد لا الاعتراف ولا الحوافز، وقد تتم ترقية الموظف المتقاعس وتجمد ترقية الموظف النشيط.
أما بين إدارات الدولة، فيمكن الحديث عن إدارات الاستقطاب وبشروط تفضيلية وإدارات البؤس والفقر، الشاهد في القول أنه إذا تم فتح الباب لحركية الموظفين بين الادارات فستتحول بعضها إلى إدارات منكوبة ومهجورة وستمتلئ الأخرى عن آخرها، بالنظر إلى ظروف العمل ونظام التحفيزات والتعويضات خاصة تلك التي ترصد إلى موظفي وزارة المالية بكافة قطاعاتهم (الجمارك، الضرائب، الخزينة العامة)، هذه التباينات تتعمق بين المركز والجهات وما بين الجهات.
الأسباب الموضوعية: إن أهم صفة يمكن أن تنعت بها الادارة هي إدارة التعقيدات، فالاجراءات التي تخص الحصول على الوثائق غير شفافة والمساطر بطيئة تترك للموظف المسؤول سلطة تقديرية تجعله يرهق كاهل المرتفق ويبتزه بطريقة أو بأخرى، والقارئ سيغنيني عن سرد الأمثلة لأن لكل واحد مئات الحالات التي يعرفها أو التي عانى منها سواء في البلديات أو المحافظات العقارية أو الجمارك أو العمالات…
مجهودات الدولة في مجال رقمنة الادارة مازالت تحتاج للمزيد من استثمار الجهد والمال نحو تطوير نموذج ادارة الكترونية تجسد كل معاني القرب والانفتاح والمرونة والشفافية، والانجازات الحالية تحتاج لمزيد من التثمين والتعميم.
في الأخير، يمكن اعتبار غياب المساءلة والتقويم من أهم الاشكالات الموضوعية، فلا المسؤول يسأل عن قراراته ولا إخلالاته، أو يتم التعامل بانتقائية في مساءلة البعض وغض الطرف عن المحضوضين والمحميين، إن غياب نظام حكامة جيد واقعي وليس نظري، لا يتيح امكانية الحديث عن أي فرصة لتطوير الادارة، هذا التغيير ليست مستحيلا، فإذا كانت بلدة صغيرة مثل سنغافورة قد صنعت مجدها حديثا، فمغربنا أيضا مغرب ممكن. 

 
Top