14615762_981776918622902_1698625610568686315_oتصدر هذه المجموعة القصصية، الباكورة السردية للمبدع والفنان إدريس حافظ الطلبي، ضمن سياق إبداعي يستدعي الوقف والتساؤل وكذا التنبيه إلى خصيصاته، ويتعلق الأمر بتلك الأعمال الأدبية الصادرة عن ذوات تمزج بين ممارسة الفن (المسرح والسينما مثلا) والكتابة بشكل عام، فصاحبها مواظب على نشر شذراته ونصوصه المتنوعة، الساخرة والإيحائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية، وهو منخرط في الحركة المسرحية المحلية والوطنية، وعاشق للسينما دون ادعاء أو ضوضاء، يشتغل على قصصه بحب صوفي، ودِقَّةٍ جَلِيَّة تكشفها قدرته على التفاعل مع الحدث الدرامي سواء كان قصصيا أم مسرحيا أم سينمائيا.
وينتمي الكاتب إلى ثلة من الفنانين المزاوجين بين الكتابة والممارسة الفنية، ولا داعي هنا للتذكير بالمنجزات السامقة للراحلين الطيب لعلج والطيب الصديقي من جيل الرواد، وجيل الشباب من أمثال هشام العسري ومحمد الشوبي، وغيرهم من الذين يسبحون في شواطئ التعدد الإبداعي المتفاعل؛ إذ تبدو السِّمَة الجَلِيَّة لمثل هذه الكتابة في طغيان الطابع المشهدي عليها، خاصة حينما يتعلق الأمر بالإبداع خارج المسرح والسيناريو، ففي قصصهم فسحات مشهدية، وفي قصائدهم الزجلية حركية بصرية، وفي رواياتهم شخصيات درامية تخضع لإيقاعات فيلمية وركحية بَيِّنَة. ويدل هذا التداخل بين الفن والكتابة على قدرة هؤلاء على تنويع التفاعل مع الأشياء والموضوعات، وبالتالي محاولة القبض على اللحظات الوجودية الطائشة بوسائل تعبيرية أغنى لعل في الأمر ما يحقق لذة الكتابة والحياة معا.

تضعنا نصوص هذه الأضمومة في العمق الاستراتيجي لمنطقةٍ قَلَّمَا انتبه النقاد والباحثون إلى النصوص الواصفة لها، الحَاكِيَّة لتفاصيل الحياة فيها، والكاشفة عن ثراء أنماط عيشها، وانفراد أهلها بتصورات ومستملحات استثنائية لا يمكن أن نختزلها في تلك التوصيفات والكليشيهات المرتبطة بالثقافة الرعوية والبدوية، والتي غالبا ما تصبغ عنها سمات الاحتقار والدونية والتخلف، وتفصلها عن سياقاتها الثقافية.. وأقصد ذلك المثلث الجغرافي الموصوم بتصدير المهاجرين السريين إلى إيطاليا، والذي يضم مدن قلعة السراغنة، وبني ملال، وخريبگة (مدينة المُؤَلِّف) وما بينها من مثل سوق السبت والقصيبة والفقيه بنصالح وواد زم وغيرها، والتي فاقت فيها حكايات المهاجرين كل التصورات الدرامية المعروفة عن قوارب الموت وحرق الأوراق (الحريگ) والعلاقة بالمافيا الإيطالية وأباطرة تجار المخدرات “الغَبَّارَة” (بائعي المسحوق الأبيض “الغَبْرَة”) وما إلى ذلك من الأحلام والإحباطات والمفارقات والمآسي.. التي تعج بها المجموعة، وتقصها علينا فيما يشبه أساطير المتأخرين.

استطاع الكاتب أن يقدم نموذجا عن الحكي الذي أتحدث عنه في قصته “خريطاليا” التي كانت ستكون عنوانا يتوج المجموعة ككل، ويعبر عن خطها الناظم، وهو ما كنت أحبذه كذلك، ولكن ظروف النشر والتلقي ساهمتا في أن يكون العنوان (بين.. بين) حاملا لدلالات تعبر عن طابعها البرزخي: فَاصِلٌ ووَاصِلٌ في آن. فنحن أمام كتابة تضعنا في عمق التأليف المشهدي؛ إذ يتحقق الانتصار للمكون البصري، وترتسم معالم الحركات والسكنات، وتتجاسر المعطيات الزمانية والمكانية فترتسم اللوحات والمَشَاهِد واللقطات في خيال القارئ كما تبرق الأفكار في الذهن اليقظ لالتقاط المعاني، واستكمال المقاصد الحكائية.

أن تقبض عن كل ذلك في قصة قصيرة أو مجموعة قصصية لا يلزمك الأسلوب والصنعة أو السماع، بل المعايشة الطويلة للشخوص، والقدرة على الالتقاط، والدِّرَايَة بسيكولوجيا الحالات المركبة، ووصف التفاصيل، وتجاوز العادي الذي يسري على كل الألسن، فقد يتبدى من عناوين القصص التسعة عشر أنها غارقة في الواقعية، ولا تحكي إلا عما أَنِسْنَاهُ وألفناه، ولم يعد أي حكي يتناوله بالمغري؛ ولكن، ما أن نبدأ القراءة، وننتقل من حالة إلى أخرى، إلا وتغمرنا تلك الروح الإنسانية الشَّفِيفَة التي تكشف لتتألم، وتصف لتترنح، وتسخر لِتُمَسْرِح، دون أن تتقصد البحث عن الجانح بغية الفضح المجاني، وإنما لينتصر فن الحكي، ويسهم في النقد الموقظ من السبات، ذاك الذي يُشَنِّعُ ولا يحاكم. إنه حكي كَالْكَيِّ الخفيف، يبرئ ولا يترك أثرا مشوها.

تتميز نصوص الكاتب بسخرية ممزوجة بذلك الحس الذي نلمسه لدى كبار رواد فن “الحلقة” المتجولين في الساحات والأسواق الأسبوعية، والمتمتعين بتحررٍ كبير تجاه عيوب المجتمع، وما يخاف الناس كشفه تحت ذرائع متعددة تذكيها شتى أنواع الرقابات الاجتماعية، منها الديني والسياسي والثقافي.. فهو يمتح بعض جمله وحواراته من صميم الثقافة الشعبية كما تشير الجمل المواكبة لبعض عناوين قصصه من مثل قصة “الرخصة”: (لْوَيْلَة مع جلول وفي الصباح نْرُولْ)، و”ثمن السقوط”: (كون نصحابها تكتاب ما نْفُوتْ الباب)، و”5/5: الكل بخير”: (بقا فيا الگاشوش ما تساريتوش)، و”العطاش”: (كون ما لوفيس كون راك خميميس)، و”متعة العين”: (بصح ألخويط شد فيك زعيط). ويذكرنا فحوى هذه العبارات بفن العيطة الضارب في جغرافيات تلك المنطقة، والمعبر عن همومها وأفراحها؛ هذا فضلا عن توظيف الأسماء والألقاب الشعبية من قبيل: با جلول، خدة، با صالح لا ستيك، الشرقي.. والأمثال من تِرْب: اللي تلف يشد الارض، ميات تخميمة وتخميمة ولا ضربة مقص، دكة باردة ولا ناقة والدة.. هكذا، يكتب إدريس الطلبي نصوصه وهو يتجول بنا في فضاءات مدينته التي يَخْبِرُها كما يَخْبِر الساكن منزله، ويستطيع أن ينقل لنا تلك الخبرة وكأننا ننتقل بأنفسنا إلى الأمكنة، ونتجول في الأزقة والدروب، ونتحدث إلى الشخوص.. إنها قصص ومحكيات مشهدية تكتنز قاموسا لغويا يُحَوِّل القصة القصيرة إلى مكنز للثقافة المحلية دونما السقوط في التقوقع الجهوي الضيق أو نقل الصور المحنطة والمتداولة عن بعض الحالات والممارسات.
محمد اشويكة
مراكش في: 08 يوليوز 2016
 
Top